فصل: فصل: يقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


الفصل الثاني‏:‏

أن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها كالريح والبرد‏,‏ والجراد والعطش لما روى الساجي بإسناده عن جابر ‏(‏أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في الجائحة‏)‏ والجائحة تكون في البرد‏,‏ والجراد وفي الحبق والسيل‏,‏ وفي الريح وهذا تفسير من الراوي لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب الرجوع إليه وأما ما كان بفعل آدمي فقال القاضي‏:‏ المشتري بالخيار بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن‏,‏ وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة لأنه أمكن الرجوع ببدله بخلاف التالف بالجائحة

الفصل الثالث‏:‏

أن ظاهر المذهب‏,‏ أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط‏,‏ فلا يلتفت إليه قال أحمد‏:‏ إني لا أقول في عشر ثمرات ولا عشرين ثمرة ولا أدرى ما الثلث‏,‏ ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس‏,‏ توضع وفيه رواية أخرى أن ما كان يعد دون الثلث فهو من ضمان المشتري وهو مذهب مالك والشافعي في القديم لأنه لا بد أن يأكل الطير منها‏,‏ وتنثر الريح ويسقط منها فلم يكن بد من ضابط واحد فاصل بين ذلك وبين الجائحة‏,‏ والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع‏:‏ منها الوصية وعطايا المريض وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث قال الأثرم‏:‏ قال أحمد‏:‏ إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة ولأن الثلث في حد الكثرة‏,‏ وما دونه في حد القلة بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوصية‏:‏ ‏(‏ الثلث والثلث كثير ‏)‏ فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة‏,‏ فلهذا قدر به ووجه الأول عموم الأحاديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح وما دون الثلث داخل فيه‏,‏ فيجب وضعه ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها فكان ما تلف منها من مال البائع وإن كان قليلا‏,‏ كالتي على وجه الأرض وما أكله الطير أو سقط لا يؤثر في العادة ولا يسمى جائحة‏,‏ فلا يدخل في الخبر ولا يمكن التحرز منه فهو معلوم الوجود بحكم العادة‏,‏ فكأنه مشروط إذا ثبت هذا فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة وضع من الثمن بقدر الذاهب فإن تلف الجميع‏,‏ بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن وأما على الرواية الأخرى فإنه يعتبر ثلث المبلغ‏,‏ وقيل‏:‏ ثلث القيمة فإن تلف الجميع أو أكثر من الثلث رجع بقيمة التالف كله من الثمن‏,‏ وإذا اختلفا في الجائحة أو قدر ما أتلف فالقول قول البائع لأن الأصل السلامة ولأنه غارم والقول في الأصول قول الغارم‏.‏

فصل‏:‏

فإن بلغت الثمرة أوان الجزاز‏,‏ فلم يجزها حتى اجتيحت فقال القاضي‏:‏ عندي لا يوضع عنه لأنه مفرط بترك النقل في وقته مع قدرته فكان الضمان عليه ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع‏,‏ فأمكنه قطعها فلم يقطعها حتى تلفت فهي من ضمانه لأن تلفها بتفريطه وإن تلفت قبل إمكان قطعها‏,‏ فهي من ضمان بائعها كالمسألة فيها‏.‏

فصل‏:‏

إذا استأجر أرضا فزرعها‏,‏ فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض‏,‏ ولم تتلف وإنما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا‏,‏ فتلفت الثياب فيها‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏ وإذا وقع البيع على مكيل أو على موزون أو معدود‏,‏ فتلف قبل قبضه فهو من مال البائع‏)‏‏.‏ ظاهر كلام الخرقي أن المكيل والموزون‏,‏ والمعدود لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه سواء كان متعينا‏,‏ كالصبرة أو غير متعين كقفيز منها وهو ظاهر كلام أحمد ونحوه قول إسحاق وروى عن عثمان بن عفان‏,‏ وسعيد بن المسيب والحسن والحكم‏,‏ وحماد بن أبي سليمان أن كل ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه وما ليس بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه وقال القاضي وأصحابه‏:‏ المراد بالمكيل‏,‏ والموزون والمعدود ما ليس بمتعين منه‏,‏ كالقفيز من صبرة والرطل من زبرة ومكيلة زيت من دن‏,‏ فأما المتعين فيدخل في ضمان المشتري كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل وقد نقل عن أحمد ما يدل على قولهم‏,‏ فإنه قال في رواية أبي الحارث في رجل اشترى طعاما فطلب من يحمله‏,‏ فرجع وقد احترق الطعام فهو من مال المشتري واستدل بحديث ابن عمر‏:‏ ما أدركت الصفقة حيا مجموعا‏,‏ فهو من مال المشتري وذكر الجوزجاني عنه في من اشترى ما في السفينة صبرة ولم يسم كيلا فلا بأس أن يشرك فيها‏,‏ ويبيع ما شاء إلا أن يكون بينهما كيل فلا يولى حتى يكال عليه ونحو هذا قال مالك‏,‏ فإنه قال‏:‏ ما بيع من الطعام مكايلة أو موازنة لم يجز بيعه قبل قبضه‏,‏ وما بيع مجازفة أو بيع من غير الطعام مكايلة أو موازنة‏,‏ جاز بيعه قبل قبضه ووجه ذلك ما روى الأوزاعي عن الزهري‏,‏ عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول‏:‏ ‏(‏مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع‏)‏ رواه البخاري‏,‏ عن ابن عمر من قوله تعليقا وقول الصحابي مضت السنة يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن المبيع المعين لا يتعلق به حق توفية فكان من مال المشتري كغير المكيل والموزون ونقل عن أحمد‏,‏ أن المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان مكيلا أو موزونا‏,‏ أو لم يكن وهذا يقتضي أن الطعام خاصة لا يدخل في ضمان المشتري حتى يقبضه فإن الترمذي روى عن أحمد أنه أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب قبل قبضه وقال الأثرم‏:‏ سألت أبا عبد الله عن قوله‏:‏ نهى عن ربح ما لم يضمن قال‏:‏ هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب‏,‏ فلا يبيعه حتى يقبضه قال ابن عبد البر‏:‏ الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه فمفهومه إباحة بيع ما سواه قبل قبضه وروى ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم‏)‏ وهذا نص في بيع المعين وعموم قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه‏)‏ متفق عليهما ولمسلم عن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا‏,‏ فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه‏)‏ وقال ابن المنذر‏:‏ أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه ولو دخل في ضمان المشتري جاز له بيعه والتصرف فيه‏,‏ كما بعد القبض وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام مع تنصيصه على المبيع مجازفة بالمنع وهو خلاف قول القاضي وأصحابه‏,‏ ويدل بمفهومه على أن ما عدا الطعام يخالفه في ذلك ووجه قول الخرقي أن الطعام المنهي عن بيعه قبل قبضه لا يكاد يخلو من كونه مكيلا أو موزونا أو معدودا‏,‏ فتعلق الحكم بذلك كتعلق ربا الفضل به ويحتمل أنه أراد المكيل والموزون‏,‏ والمعدود من الطعام الذي ورد النص بمنع بيعه وهذا أظهر دليلا وأحسن إذا ثبت هذا فإنه إن تلف المبيع من ذلك قبل قبضه بآفة سماوية‏,‏ بطل العقد ورجع المشتري بالثمن وإن تلف بفعل المشتري استقر الثمن عليه‏,‏ وكان كالقبض لأنه تصرف فيه وإن أتلفه أجنبي لم يبطل العقد على قياس قوله في الجائحة‏,‏ ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن لأن التلف حصل في يد البائع فهو كحدوث العيب في يده وبين البقاء على العقد‏,‏ ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليا وبهذا قال الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا وإن أتلفه البائع فقال أصحابنا‏:‏ الحكم فيه كما لو أتلفه أجنبي لأنه أتلفه من يلزمه ضمانه‏,‏ فأشبه ما لو أتلفه أجنبي وقال الشافعي‏:‏ ينفسخ العقد ويرجع المشتري بالثمن لا غير لأنه تلف يضمنه به البائع فكان الرجوع عليه بالثمن كالتلف بفعل الله تعالى وفرق أصحابنا بينهما بكونه إذا تلف بفعل الله تعالى‏,‏ لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد بخلاف ما إذا أتلفه فإن إتلافه يقتضي الضمان بالمثل‏,‏ وحكم العقد يقتضي الضمان بالثمن فكانت الخيرة إلى المشتري في التضمين بأيهما شاء‏.‏

فصل‏:‏

ولو تعيب في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي‏,‏ فالمشتري مخير بين قبوله ناقصا ولا شيء له وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن لأنه إن رضيه معيبا‏,‏ فكأنه اشترى معيبا وهو عالم بعيبه ولا يستحق شيئا من أجل العيب وإن فسخ العقد لم يكن له أكثر من الثمن لأنه لو تلف المبيع كله‏,‏ لم يكن له أكثر من الثمن فإذا تعيب أو تلف بعضه‏,‏ كان أولى وإن تعيب بفعل المشتري أو تلف بعضه لم يكن له فسخ لذلك لأنه أتلف ملكه‏,‏ فلم يرجع على غيره وإن كان ذلك بفعل البائع فقياس قول أصحابنا أن المشتري مخير بين الفسخ والرجوع بالثمن‏,‏ وبين أخذه والرجوع على البائع بعوض ما أتلف أو عيب وقياس قول الشافعي أن يكون بمنزلة ما لو تلف بفعل الله تعالى وإن كان بفعل أجنبي‏,‏ فله الخيار بين الفسخ والمطالبة بالثمن وبين أخذ المبيع‏,‏ ومطالبة المتلف بعوض ما أتلف‏.‏

فصل‏:‏

ولو باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه فإن كانت في يد المشتري‏,‏ فهو كما لو أتلفه وإن كانت في يد البائع فهو بمنزلة إتلافه له‏,‏ وكذلك إن كانت في يد أجنبي فهو كإتلافه فإن لم تكن في يد أحد انفسخ البيع لأن المبيع هلك قبل القبض بأمر لا ينسب إلى آدمي‏,‏ فهو كتلفه بفعل الله تعالى‏.‏

فصل‏:‏

ولو اشترى شاة أو عبدا أو شقصا بطعام فقبض الشاة أو العبد أو باعهما‏,‏ أو أخذ الشقص بالشفعة ثم تلف الطعام قبل قبضه انفسخ العقد الأول دون الثاني ولا يبطل الأخذ بالشفعة لأنه كمل قبل فسخ العقد‏,‏ ويرجع مشترى الطعام على مشترى الشاة والعبد والشقص بقيمة ذلك لتعذر رده وعلى الشفيع مثل الطعام لأنه عوض الشقص‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض وإن تلف فهو من مال المشتري‏]‏

يعني ما عدا المكيل‏,‏ والموزون والمعدود فإنه يدخل في ضمان المشتري قبل قبضه وقال أبو حنيفة‏:‏ كل مبيع تلف قبل قبضه من ضمان البائع‏,‏ إلا العقار وقال الشافعي‏:‏ كل مبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى كقوله لأن ابن عباس قال‏:‏ أرى كل شيء بمنزلة الطعام ولأن التسليم واجب على البائع لأنه في يده فإذا تعذر بتلفه انفسخ العقد‏,‏ كالمكيل والموزون والمعدود ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏(‏الخراج بالضمان‏)‏ وهذا المبيع نماؤه للمشتري‏,‏ فضمانه عليه وقول ابن عمر‏:‏ مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع ولأنه لا يتعلق به حق توفية وهو من ضمانه بعد قبضه فكان من ضمانه قبله‏,‏ كالميراث وتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه دليل على مخالفة غيره له‏.‏

فصل‏:‏

والمبيع بصفة أو رؤية متقدمة‏,‏ من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع لأنه يتعلق به حق توفية فجرى مجرى المكيل والموزون قال أحمد‏:‏ لو اشترى من رجل عبدا بعينه‏,‏ فمات في يد البائع فهو من مال المشتري إلا أن يطلبه‏,‏ فيمنعه البائع فهو ضامن لقيمته حين عطب ولو حبسه ببقية الثمن فهو غاصب‏,‏ ولا يكون رهنا إلا أن يكون قد اشترط عليه في نفس الرهن‏.‏

فصل‏:‏

وقبض كل شيء بحسبه فإن كان مكيلا‏,‏ أو موزونا بيع كيلا أو وزنا‏,‏ فقبضه بكيله ووزنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ التخلية في ذلك قبض وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل‏,‏ فكان قبضا له كالعقار ولنا ما روى أبو هريرة‏,‏ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ ‏(‏إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل‏)‏ رواه البخاري وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏(‏أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري‏)‏ رواه ابن ماجه‏,‏ وهذا فيما بيع كيلا وإن بيع جزافا فقبضه نقله لأن ابن عمر قال‏:‏ كانوا ‏(‏يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏كنا نبتاع الطعام جزافا فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن نبيعه حتى ننقله‏)‏ رواهن مسلم وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل‏,‏ وقد دل على ذلك أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏(‏إذا سميت الكيل فكل‏)‏ رواه الأثرم وإن كان المبيع دراهم أو دنانير فقبضها باليد وإن كان ثيابا فقبضها نقلها وإن كان حيوانا‏,‏ فقبضه تمشيته من مكانه وإن كان مما لا ينقل ويحول فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه وقد ذكره الخرقي في باب الرهن فقال‏:‏ إن كان مما ينقل‏,‏ فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا وإن كان مما لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه ولأن القبض مطلق في الشرع‏,‏ فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا‏.‏

فصل‏:‏

وأجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع لأن عليه تقبيض المبيع للمشتري‏,‏ والقبض لا يحصل إلا بذلك فكان على البائع كما أن على بائع الثمرة سقيها‏,‏ وكذلك أجرة الذي يعد المعدودات وأما نقل المنقولات وما أشبهه فهو على المشتري لأنه لا يتعلق به حق توفية نص عليه أحمد‏.‏

فصل‏:‏

‏ ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع‏,‏ وبغير اختياره لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن لأن التسليم من مقتضيات العقد فمتى وجد بعده وقع موقعه‏,‏ كقبض الثمن‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه‏]‏

قد ذكرنا الذي لا يحتاج إلى قبض والخلاف فيه وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏(‏من ابتاع طعاما‏,‏ فلا يبعه حتى يستوفيه‏)‏ متفق عليه ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم‏,‏ ولم أعلم بين أهل العلم خلافا إلا ما حكى عن البتى أنه قال‏:‏ لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه وقال ابن عبد البر‏:‏ وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام‏,‏ وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين‏,‏ ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والحكم وحماد‏,‏ والأوزاعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز بيع شيء قبل قبضه اختارها ابن عقيل وروى ذلك عن ابن عباس وهذا قول أبي حنيفة‏,‏ والشافعي إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل قبضه واحتجوا بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه‏,‏ وبما روى أبو داود ‏(‏أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم‏)‏ وروى ابن ماجه ‏(‏أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض‏)‏ وروى ‏(‏أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال‏:‏ انههم عن بيع ما لم يقبضوه وعن ربح ما لم يضمنوه‏)‏ ولأنه لم يتم الملك عليه‏,‏ فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل‏,‏ والموزون ولنا ما روى ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم‏,‏ فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيعها بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم‏,‏ فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال‏:‏ لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء‏)‏ وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه‏,‏ وهو أحد العوضين وروى ابن عمر ‏(‏أنه كان على بكر صعب - يعني لعمر - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر‏:‏ بعنيه فقال‏:‏ هو لك يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت‏)‏ وهذا ظاهره التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه واشترى من جابر جمله ونقده ثمنه‏,‏ ثم وهبه إياه قبل قبضه ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجارة فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفية‏,‏ فصح بيعه كالمال في يد مودعه أو مضاربه فأما أحاديثهم‏,‏ فقد قيل‏:‏ لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومه فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه‏,‏ يدل على إباحة ذلك فيما سواه وقولهم‏:‏ لم يتم الملك عليه ممنوع فإن السبب المقتضي للملك متحقق‏,‏ وأكثر ما فيه تخلف القبض واليد ليست شرطا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع‏,‏ والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة‏.‏

فصل‏:‏

وما لا يجوز بيعه قبل قبضه‏,‏ لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه قال القاضي‏:‏ ولو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له مطالبته‏,‏ ولا أخذ بدله وإن تراضيا لأنه مبيع لم يقبض فإن كان مما لا يحتاج إلى قبض جاز أخذ البدل عنه وإن كان في سلم لم يجز أخذ البدل عنه لأنه أيضا لا يجوز بيعه‏.‏

فصل‏:‏

وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض‏,‏ لم يجز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا والأجرة وبدل الصلح‏,‏ إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود‏,‏ وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التصرف فيه قبل قبضه كعوض الخلع‏,‏ والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية‏,‏ وقيمة المتلف لأن المطلق للتصرف الملك وقد وجد لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر‏,‏ انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة والمهر كذلك عند القاضي‏,‏ وهو قول أبي حنيفة لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين‏:‏ لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو نصفه بالطلاق‏,‏ أو انفساخه بسبب من غير جهتها وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول وأما ما ملك بإرث أو وصية‏,‏ أو غنيمة وتعين ملكه فيه فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لأنه غير مضمون بعقد معاوضة‏,‏ فهو كالمبيع المقبوض وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي‏,‏ ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة‏,‏ أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لأنه عين مال مقدور على تسليمها‏,‏ لا يخشى انفساخ الملك فيها فجاز بيعها كالتي في يده وإن كان غصبا‏,‏ جاز بيعه ممن هو في يده لأنه مقبوض معه فأشبه بيع العارية ممن هي في يده وأما بيعه لغيره فإن كان عاجزا عن استنقاذه‏,‏ أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له لأنه معجوز عن تسليمه إليه فأشبه بيع الآبق والشارد وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده‏,‏ صح البيع لإمكان قبضه فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض‏,‏ فأشبه ما لو باعه فرسا فشردت قبل تسليمها أو غائبا بالصفة‏,‏ فعجز عن تسليمه‏.‏

فصل‏:‏

وإن كان لزيد على رجل طعام من سلم وعليه لعمرو مثل ذلك الطعام سلما فقال زيد لعمرو‏:‏ اذهب فاقبض الطعام الذي لي من غريمي لنفسك ففعل‏,‏ لم يصح لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل أن يقبضه وهل يصح لزيد‏؟‏ على روايتين إحداهما يصح لأنه أذن له في القبض فأشبه قبض وكيله والثانية‏,‏ لا يصح لأنه لم يجعله نائبا له في القبض فلم يقع له بخلاف الوكيل فعلى الوجه الأول‏,‏ يصير ملكا لزيد وعلى الثاني يكون باقيا على ملك المسلم إليه ولو قال زيد لعمرو‏:‏ احضر اكتيالي منه لأقبضه لك ففعل‏,‏ لم يصح وهل يكون قابضا لنفسه‏؟‏ على وجهين أولاهما أنه يكون قابضا لنفسه لأن قبض المسلم فيه قد وجد من مستحقه فصح القبض له‏,‏ كما لو نوى القبض لنفسه فعلى هذا إذا قبضه لعمرو صح وإن قال‏:‏ خذه بهذا الكيل الذي قد شاهدته فأخذه به‏,‏ صح لأنه قد شاهد كيله وعلمه فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية وعنه لا يجزئ وهو مذهب الشافعي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا داخل فيه ولأنه قبضه بغير كيل‏,‏ أشبه ما لو قبضه جزافا ولو قال زيد لعمرو‏:‏ احضرنا حتى أكتاله لنفسي ثم تكتاله أنت وفعلا صح بغير إشكال وإن اكتاله زيد لنفسه‏,‏ ثم أخذه عمرو بذلك الكيل الذي شاهده فعلى روايتين وإن تركه زيد في المكيال ودفعه إلى عمرو ليفرغه لنفسه‏,‏ صح وكان ذلك قبضا صحيحا لأن استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه ولا معنى لابتداء الكيل ها هنا‏,‏ إذ لا يحصل به زيادة علم وقال أصحاب الشافعي‏:‏ لا يصح لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا يمكن القول بموجبه وقبض المشتري له في المكيال جرى لصاعيه فيه ولو دفع زيد إلى عمرو دراهم فقال‏:‏ اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك على ففعل‏,‏ لم يصح لأن دراهم زيد لا يكون عوضها لعمرو فإن اشترى الطعام بعينها أو في ذمته فهو كتصرف الفضولي على ما تبين وإن قال‏:‏ اشتر لي بها طعامًا‏,‏ ثم أقبضه لنفسك ففعل صح الشراء‏,‏ ولم يصح القبض لنفسه على ما تقدم في مثل هذه الصورة وإن قال‏:‏ اقبضه لنفسك ففعل جاز نص أحمد على نظير ذلك‏,‏ وهكذا جميع المسائل التي تقدمت إذا حصل الطعام في يد عمرو لزيد فأذن له أن يقبض من نفسه وقال أصحاب الشافعي‏:‏ لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون قابضا لنفسه من نفسه ولنا‏,‏ أنه يجوز أن يشتري لنفسه من مال ولده ويقبض لنفسه من نفسه وكذلك لو وهب لولده الصغير شيئا‏,‏ جاز أن يقبل له من نفسه ويقبض منها فكذا ها هنا‏.‏

فصل‏:‏

وإن اشترى اثنان طعاما‏,‏ فقبضاه ثم باع أحدهما للآخر نصيبه قبل أن يقتسماه احتمل أن لا يجوز ذلك وهو قول الحسن‏,‏ وابن سيرين كرها أن يبيع الرجل من شريكه شيئا مما يكال أو يوزن قبل أن يقتسماه لأنه لم يقبض نصيبه منفردا‏,‏ فأشبه غير المقبوض ويحتمل الجواز لأنه مقبوض لهما يجوز بيعه لأجنبي فجاز بيعه لشريكه‏,‏ كسائر الأموال فإن تقاسماه وتفرقا ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الذي كاله‏,‏ لم يجز كما لو اشترى من رجل طعاما فاكتاله وتفرقا‏,‏ ثم باعه إياه بذلك الكيل وإن لم يتفرقا خرج على الروايتين اللتين تقدمتا‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏ والشركة فيه والتولية والحوالة به كالبيع ‏)‏ وجملته أن ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه‏,‏ ولا توليته ولا الحوالة به قبل قبضه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك‏:‏ يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه لأنها تختص بمثل الثمن الأول‏,‏ فجازت قبل القبض كالإقالة ولنا أن هذه أنواع بيع‏,‏ فتدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه فإن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه والتولية بيع جميعه بمثل ثمنه ولأنه تمليك لغير من هو في ذمته‏,‏ فأشبه البيع وفارق الإقالة فإنها فسخ للبيع فأشبهت الرد بالعيب وكذلك لا تصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة‏,‏ ولا ما أشبه ذلك من التصرفات المفتقرة إلى القبض لأنه غير مقبوض فلا سبيل إلى إقباضه‏.‏

فصل‏:‏

وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان لأنهما نوعان من أنواع البيع وإنما اختصا بأسماء‏,‏ كما اختص بيع المرابحة والمواضعة بأسماء فإذا اشترى شيئا فقال له رجل‏:‏ أشركنى في نصفه بنصف الثمن فقال‏:‏ أشركتك صح وصار مشتركا بينهما وإن قال‏:‏ ولني ما اشتريته بالثمن فقال‏:‏ وليتك صح إذا كان الثمن معلوما لهما فإن جهله أحدهما‏,‏ لم يصح كما لو باعه بالرقم ولو قال‏:‏ أشركني فيه أو قال‏:‏ الشركة فيه فقال‏:‏ أشركتك أو قال‏:‏ ولني ما اشتريت ولم يذكر الثمن صح إذا كان الثمن معلوما لأن الشركة تقتضي ابتياع جزء منه بقسطه من الثمن‏,‏ والتولية ابتياعه بمثل الثمن فإذا أطلق اسمه انصرف إليه كما لو قال‏:‏ أقلني فقال‏:‏ أقلتك وفي حديث عن زهرة بن معبد ‏(‏أنه كان يخرج به عبد الله بن هشام إلى السوق‏,‏ فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له‏:‏ أشركنا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لك بالبركة فيشركهم‏,‏ فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل‏)‏ ذكره البخاري ولو اشترى شيئا فقال له رجل‏:‏ أشركني فأشركه انصرف إلى نصفه لأنها بإطلاقها تقتضى التسوية فإن اشترى اثنان عبدا فاشتركا فيه‏,‏ فقال لهما رجل‏:‏ أشركاني فيه فقالا‏:‏ أشركناك احتمل أن يكون له النصف لأن اشتراكهما لو كان من كل واحد منهما منفردا كان له النصف فكذلك حال الاجتماع ويحتمل أن يكون له الثلث لأن الاشتراك يفيد التساوي ولا يحصل التساوي إلا بجعله بينهم أثلاثا وهذا أصح لأن إشراك الواحد إنما اقتضى النصف لحصول التسوية به وإن شركه كل واحد منهما منفردا‏,‏ كان له النصف ولكل واحد منهما الربع وإن قال‏:‏ أشركاني فيه فشركه أحدهما فعلى الوجه الأول يكون له نصف حصة الذي شركه وهو الربع‏,‏ وعلى الآخر له السدس لأن طلب الشركة منهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما ليكون مساويا لهما فإذا أجابه أحدهما ثبت له الملك فيما طلب منه وإن قال له أحدهما‏:‏ أشركناك انبني على تصرف الفضولي فإن قلنا‏:‏ يقف على الإجازة من صاحبه فأجازه فهل يثبت له الملك في نصفه أو في ثلثه‏؟‏ على الوجهين ولو قال لأحدهما‏:‏ أشركني في نصف هذا العبد فأشركه فإن قلنا‏:‏ يقف على الإجازة من صاحبه‏,‏ فأجازه فله نصف العبد ولهما نصفه وإلا فله نصف حصة الذي شركه وإن اشترى عبدا فلقيه رجل‏,‏ فقال‏:‏ أشركني في هذا العبد فقال‏:‏ قد أشركتك فله نصفه فإن لقيه آخر فقال‏:‏ أشركني في هذا العبد وكان عالما بشركة الأول فله ربع العبد وهو نصف حصة الذي شركه لأن طلبه للإشراك رجع إلى ما ملكه المشارك وهو النصف‏,‏ فيكون بينهما وإن لم يعلم بشركة الأول فهو طالب لنصف العبد لاعتقاده أن العبد كله لهذا الذي طلب منه المشاركة فإذا قال له‏:‏ أشركتك فيه احتمل ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها أن يصير له نصف العبد كله‏,‏ ولا يبقى للذي شركه شيء لأنه طلب منه نصف العبد فأجابه إلى ذلك فصار كأنه قال له‏:‏ بعني نصف هذا العبد فقال‏:‏ بعتك وهذا قول القاضي الثاني‏,‏ أن ينصرف قوله‏:‏ أشركتك فيه إلى نصف نصيبه ونصف نصيب شريكه فينفذ في نصف نصيبه‏,‏ ويقف في الزائد على إجازة صاحبه على إحدى الروايتين لأن لفظ الشركة يقتضي بيع بعض نصيبه ومساواة المشتري له فلو باع جميع نصيبه لم يكن شركة‏,‏ ولا يستحق فيه ما طلب منه والثالث‏:‏ أن لا يكون للثاني إلا الربع بكل حال لأن الشركة إنما تثبت بقول البائع‏:‏ أشركتك لأن ذلك هو الإيجاب الناقل للملك وهو عالم أنه ليس له إلا نصف العبد فينصرف إيجابه إلى نصف ملكه وعلى هذين الوجهين‏,‏ لطالب الشركة الخيار لأنه إنما طلب النصف فلم يحصل له جميعه إلا أن نقول بوقوفه على الإجازة في الوجه الثاني‏,‏ فيجيزه الآخر ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا لأنه طلب شراء النصف فأجيب في الربع فصار بمنزلة ما لو قال‏:‏ بعني نصف هذا العبد‏,‏ قال‏:‏ بعتك ربعه‏.‏

فصل‏:‏

ولو اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل‏:‏ بعني نصف هذا القفيز فباعه‏,‏ انصرف إلى النصف المقبوض كله لأن البيع ينصرف إلى ما يجوز له بيعه وهو النصف المقبوض وإن قال‏:‏ أشركني في هذا القفيز بنصف الثمن ففعل لم تصح الشركة‏,‏ إلا فيما قبض منه فيكون النصف المقبوض بينهما لكل واحد منهما ربعه بقسطه من الثمن لأن الشركة تقتضي التسوية هكذا ذكره القاضي والصحيح - إن شاء الله تعالى- أنه تنصرف الشركة إلى النصف كله فيكون تابعا لما يصح بيعه وما لا يصح فيكون ذلك من صور تفريق الصفقة‏,‏ فلا يصح في الربع الذي ليس بمقبوض وهل يصح في المقبوض‏؟‏ على وجهين‏.‏

فصل‏:‏

فأما الحوالة فمعناه أن يكون على مشترى الطعام طعام من سلم أو من قرض مثل الذي اشتراه فيقول لغريمه‏:‏ اذهب فاقبض الطعام الذي اشتريته لنفسك فلا يجوز ذلك لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل قبضه له وقد ذكرنا تفريع هذا في الفصل الذي قبل هذه المسألة‏.‏

فصل‏:‏

إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض‏,‏ لم يجز أن يبيعه من غيره قبل قبضه لأنه غير قادر على تسليمه ويجوز بيعه ممن هو في ذمته في الصحيح من المذهب لحديث ابن عمر‏:‏ كنا نبيع الأبعرة بالبقيع بالدراهم فنأخذ مكانها الدنانير وهذا مذهب الشافعي وروى أنه لا يصح‏,‏ كما لا يصح في السلم والأول أولى فإن اشتراه منه بموصوف في الذمة من غير جنسه جاز ولا يتفرقا قبل القبض لأنه يكون بيع دين بدين فإن أعطاه معينا مما يشترط فيه التقابض‏,‏ مثل أن أعطاه بدل الحنطة شعيرا جاز ولم يجز التفرق قبل القبض وإن أعطاه معينا لا يشترط فيه التقابض‏,‏ جاز التفرق قبل القبض كما لو قال‏:‏ بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك ويحتمل أن لا يجوز لأن المبيع في الذمة فلم يجز التفرق قبل القبض‏,‏ كالسلم‏.‏

فصل‏:‏

وإذا قال رجل لغريمه‏:‏ بعنى هذا على أن أقضيك دينك منه ففعل فالشرط باطل لأنه شرط أن لا يتصرف فيه بغير القضاء وهل يبطل البيع‏؟‏ ينبني على الشروط الفاسدة في البيع‏,‏ هل تبطله‏؟‏ على روايتين وإن قال‏:‏ اقضني حقي على أن أبيعك كذا وكذا فالشرط باطل والقضاء صحيح لأنه قبضه حقه وإن قال‏:‏ اقضني أجود من مالي على أن أبيعك كذا وكذا فالقضاء والشرط باطلان‏,‏ وعليه رد ما قبضه والمطالبة بماله‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏ وليس كذلك الإقالة لأنها فسخ وعن أبي عبد الله الإقالة بيع ‏)‏ اختلفت الرواية في الإقالة فعنه أنها فسخ وهو الصحيح‏,‏ واختيار أبي بكر وهو مذهب الشافعي والثانية أنها بيع وهي مذهب مالك لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه‏,‏ فلما كان الأول بيعا كذلك الثاني ولأنه نقل الملك بعوض على وجه التراضي‏,‏ فكان بيعا كالأول وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق غيرهما فلا تثبت أحكام البيع في حقهما‏,‏ بل تجوز في السلم وفي المبيع قبل قبضه ويثبت حكم البيع في حق الشفيع‏,‏ حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة ولنا أن الإقالة هي الدفع والإزالة يقال‏:‏ أقالك الله عثرتك أي أزالها قال النبي - صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة‏)‏ قال ابن المنذر‏:‏ وفي إجماعهم ‏(‏أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه‏)‏ مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه‏,‏ دليل على أن الإقالة ليست بيعا ولأنها تجوز في المسلم فيه قبل قبضه فلم تكن بيعا كالإسقاط‏,‏ ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعا لم تتقدر به ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا‏,‏ كالرد بالعيب ويدل على أبي حنيفة بأن ما كان فسخا في حق المتعاقدين كان فسخا في حق غيرهما كالرد بالبيع والفسخ بالخيار‏,‏ ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص والأصل اعتبار الحقائق‏.‏

فصل‏:‏

فإن قلنا‏:‏ هي فسخ جازت قبل القبض وبعده وقال أبو بكر‏:‏ لا بد فيها من كيل ثان ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان‏,‏ كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة ولنا أنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض كالرد بالعيب‏,‏ والتدليس والفسخ بالخيار أو اختلاف المتبايعين وفارق العدة‏,‏ فإنها اعتبرت للاستبراء والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول بخلاف مسألتنا فإن قلنا‏:‏ هي بيع لم يجز قبل القبض‏,‏ فيما يعتبر فيه القبض لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز كما لا يجوز من غيره ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا لأنها رفع للعقد وإزالة له‏,‏ وليست بمعاوضة فأشبهت سائر الفسوخ ومن حلف لا يبيع فأقال لم يحنث ولو كانت بيعا‏,‏ استحقت بها الشفعة وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها كسائر أنواع البيع ولا يجوز إلا بمثل الثمن‏,‏ سواء قلنا‏:‏ هي فسخ أو بيع لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية وفيه وجه آخر أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول وأقل منه إذا قلنا‏:‏ إنها بيع كسائر البياعات فإن قلنا‏:‏ لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول‏,‏ فأقال بأقل منه أو أكثر لم تصح الإقالة وكان الملك باقيا للمشتري وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة‏,‏ أنها تصح بالثمن الأول ويبطل الشرط لأن لفظ الإقالة اقتضى مثل الثمن والشرط ينافيه‏,‏ فبطل وبقي الفسخ على مقتضاه كسائر الفسوخ ولنا‏,‏ أنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فبطل كبيع درهم بدرهمين ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صاحبه‏,‏ فإذا شرط زيادة أو نقصانا أخرج العقد عن مقصوده فبطل‏,‏ كما لو باعه بشرط أن لا يسلم إليه ويفارق سائر الفسوخ لأنه لا يعتبر فيه الرضا منهما بل يستقل به أحدهما فإذا شرط عليه شيء‏,‏ لم يلزمه لتمكنه من الفسخ بدونه وإن شرط لنفسه شيئا لم يلزمه أيضا لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ وفي مسألتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص‏,‏ فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه فتبطل الإقالة لعدم رضاه بها‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها‏]‏

هذه المسألة تدل على حكمين أحدهما إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها‏,‏ وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا وقد نص عليه أحمد ودل عليه قول ابن عمر‏:‏ ‏(‏كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه‏)‏ متفق عليه ولأنه معلوم بالرؤية‏,‏ فصح بيعه كالثياب والحيوان ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فإن ذلك يشق لكون الحب بعضه على بعض‏,‏ ولا يمكن بسطها حبة حبة ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكتفى برؤية ظاهره‏,‏ بخلاف الثوب فإن نشره لا يشق ولم تختلف أجزاؤه‏,‏ ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو الرؤية وكذلك لو قال‏:‏ بعتك نصف هذه الصبرة أو ثلثها‏,‏ أو جزءا منها معلوما جاز لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه كالحيوان ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة‏,‏ فكذلك جزؤها قال ابن عقيل‏:‏ ولا يصح هذا إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء فإن كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية‏,‏ لم يصح ويحتمل أن يصح لأنه يشتري منها جزءا مشاعا فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا وقال مالك‏:‏ لا يجوز في الأثمان لأن لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا‏,‏ أنه معلوم بالمشاهدة فأشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قاله أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم‏,‏ وكذلك الثياب إذا نشرها ورأى جميع أجزائها الحكم الثاني أنه إذا اشترى الصبرة جزافا لم يجز له بيعها حتى ينقلها نص عليه أحمد في رواية الأثرم‏,‏ وعنه رواية أخرى له بيعها قبل نقلها اختارها القاضي وهو مذهب مالك لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق توفية فأشبه الثوب الحاضر ولنا‏,‏ قول ابن عمر‏:‏ ‏(‏إن كنا لنشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه‏)‏ وعموم قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه‏)‏ مع ما ذكرنا من الأخبار وروى الأثرم بإسناده عن عبيد بن حنين‏,‏ قال‏:‏ ‏(‏قدم زيت من الشام فاشتريت منه أبعرة وفرغت من شرائها‏,‏ فقام إلى رجل فأربحنى فيها ربحا فبسطت يدي لأبايعه فإذا رجل يأخذني من خلفي‏,‏ فنظرت فإذا زيد بن ثابت فقال‏:‏ لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بذلك‏)‏ فإذا تقرر هذا فإن قبضها نقلها كما جاء في الخبر‏,‏ ولأن القبض لو لم يعين في الشرع لوجب رده إلى العرف كما قلنا في الإحياء والإحراز والعادة في قبض الصبرة النقل

فصل‏:‏

ولا يحل لبائع الصبرة أن يغشها بأن يجعلها على دكة‏,‏ أو ربوة أو حجر ينقصها أو يجعل الرديء في باطنها أو المبلول‏,‏ ونحو ذلك لما روى أبو هريرة ‏(‏أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال‏:‏ يا صاحب الطعام‏,‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ أصابته السماء يا رسول الله قال‏:‏ أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس‏؟‏ ثم قال‏:‏ من غشنا فليس منا‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح فإذا وجد ذلك ولم يكن المشتري علم به فله الخيار بين الفسخ‏,‏ وأخذ تفاوت ما بينهما لأنه عيب وإن بان تحتها حفرة أو بان باطنها خيرا من ظاهرها فلا خيار للمشتري لأنه زيادة له وإن علم البائع ذلك فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة به وإن لم يكن علم‏,‏ فله الفسخ كما لو باع بعشرين درهما فوزنها بصنجة ثم وجد الصنجة زائدة كان له الرجوع وكذلك لو باع بمكيال‏,‏ ثم وجده زائدا ويحتمل أنه لا خيار له لأن الظاهر أنه باع ما يعلم فلا يثبت له الفسخ بالاحتمال‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة‏]‏

نص أحمد على هذا‏,‏ في مواضع وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد‏,‏ وعكرمة وبه قال مالك وإسحاق وروى ذلك عن طاوس قال مالك‏:‏ لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك وعن أحمد أن هذا مكروه غير محرم‏,‏ فإن بكر بن محمد روى عن أبيه أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله‏,‏ وقلت له‏:‏ إن مالكا يقول‏:‏ إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فإن أحب أن يرد رده قال‏:‏ هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله‏,‏ إلا أن يخبره فإن باعه فهو جائز عليه‏,‏ وقد أساء ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى ووجه الأول‏,‏ ما روى الأوزاعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه‏)‏‏.‏ قال القاضي‏:‏ وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ‏(‏أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله‏)‏ والنهى يقتضي التحريم‏,‏ وأيضا الإجماع الذي نقله مالك ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير بالمشتري والغش له ولذلك أثر في عدم لزوم العقد‏,‏ وقد قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏من غشنا فليس منا‏)‏ فصار كما لو دلس العيب فإن باع ما علم كيله صبرة فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم أن البيع صحيح لازم وهو قول مالك والشافعي لأن المبيع معلوم لهما‏,‏ ولا تغرير من أحدهما فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه ولم يثبت ما روى من النهي فيه‏,‏ وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه لاختلاف العلماء فيه ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير وقال القاضي وأصحابه‏:‏ هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فهو كما لو اشترى مصراة يعلم تصريتها وإن لم يعلم أن البائع كان عالما بذلك‏,‏ فله الخيار في الفسخ والإمضاء وهذا قول مالك لأنه غش وغدر من البائع‏,‏ فصح العقد معه ويثبت للمشتري الخيار وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع فاسد لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد‏.‏

فصل‏:‏

وإن أخبره البائع بكيله‏,‏ ثم باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح فإن قبضه باكتياله تم البيع والقبض‏,‏ وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافا فإن كان المبيع باقيا كاله عليه‏,‏ فإن كان قدر حقه الذي أخبره به فقد استوفاه وإن كان زائدا رد الفضل‏,‏ وإن كان ناقصا أخذ النقص وإن كان قد تلف فالقول قول القابض في قدره مع يمينه سواء كان النقص قليلا أو كثيرا لأن الأصل عدم القبض‏,‏ وبقاء الحق وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله لأن للبائع فيه علقة فإنه لو زاد كانت الزيادة له‏,‏ ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لأن ذلك يمنعه من معرفة كيله وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزا‏,‏ فتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل‏,‏ ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه تصرف في حقه بعد قبضه فجاز كما لو كيل له والثاني‏,‏ لا يجوز لأنه لا يجوز له التصرف في الجميع فلم يجز له التصرف في البعض كما قبل القبض وإن قبضه بالوزن فهو كما لو قبضه جزافا فأما إن أعلمه بكيله‏,‏ ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن سواء كان زائدا أو ناقصا‏,‏ لم يجز لما روي الأثرم بإسناده عن الحكم قال‏:‏ ‏(‏قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال‏:‏ اذهبوا بنا إلى عثمان‏,‏ نعينه على طعامه فقام إلى جنبه فقال عثمان‏:‏ في هذه الغرارة كذا وكذا وابتعتها بكذا وكذا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سميت الكيل فكل‏)‏ قال أحمد‏:‏ إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منا فأخذ بذلك‏,‏ ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله لعثمان‏:‏ ‏"‏ إذا سميت الكيل فكل ‏"‏ قيل له‏:‏ إنهم يقولون‏:‏ إذا فتح فسد قال‏:‏ فلم لا تفتحون واحدا وتزنون الباقي‏؟‏

فصل‏:‏

ولو كال طعاما وآخر ينظر إليه‏,‏ فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان‏؟‏ على روايتين نص عليهما إحداهما لا يحتاج إلى كيل لأنه شاهد كيله‏,‏ فأشبه ما لو كيل له والثانية يحتاج إلى كيل لأنه بيع فاحتاج إلى كيل للأخبار‏,‏ والقياس على البيع الأول ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرنا في التي قبلها ولو اشترى اثنان طعاما‏,‏ فاكتالاه ثم ابتاع أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فقال أحمد‏,‏ في رواية حرب‏:‏ إذا اشتريا غلة أو نحوها وحضراها جميعا وعرفا كيلها‏,‏ فقال أحدهما لشريكه‏:‏ بعني نصيبك وأربحك فهو جائز وإن لم يحضر هذا المشتري الكيل‏,‏ فلا يجوز إلا بكيل قال ابن أبي موسى‏:‏ وفيه رواية أخرى لا بد من كيله ووجهها ما تقدم قال القاضي‏:‏ ومعنى الكيل في هذه المسائل أنه يرجع في قدره إلى قول القابض‏,‏ إذا كان النقص يسيرا يقع مثله في الكيل فالقول قوله مع يمينه وإن كان لا يقع مثله في الكيل لم يقبل قوله لأنا نتحقق كذبه‏,‏ بخلاف مسائل الفصل الذي قبله لأنه لم يكل بحضرته والظاهر أنه أراد بالكيل حقيقته دون ما ذكره القاضي وفائدة اعتبار الكيل ما ذكره القاضي وأنه لا يجوز للمشتري التصرف فيه‏,‏ إلا ما ذكرنا في الفصل الذي قبله وإن باعه للثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يفتقر إلى كيل ثان‏,‏ والقبض فيه بنقله كسائر الصبر‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد في رجل يشتري الجوز‏,‏ فيعد في مكتل ألف جوزة ثم يأخذ الجوز كله على ذلك المعيار قال‏:‏ لا يجوز وقال في رجل ابتاع أعكاما كيلا‏,‏ وقال للبائع‏:‏ كل لي عكما منها واحدا واحدا ما بقي على هذا الكيل أكره هذا حتى يكيلها كلها وقال الثوري‏:‏ كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لأن ما في العكوم يختلف فيكون في بعضها أكثر من بعض فلا يعلم ما في بعضها بكيل البعض‏,‏ والجوز يختلف عدده فيكون في أحد المكتلين أكثر من الآخر فلا يصح تقديره بالكيل‏,‏ كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏واذا اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم جاز‏]‏

وجملة ذلك أنه إذا قال‏:‏ بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم صح‏,‏ وإن لم يعلما مقدار ذلك حال العقد وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة‏:‏ يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة فلم يصح كبيع المبتاع برقمه ولنا‏,‏ أن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو أن تكال الصبرة‏,‏ ويقسط الثمن على قدر قفزانها فيعلم مبلغه فجاز‏,‏ كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون مرابحة لكل ثلاثة عشر درهما درهم فإنه لا يعلم في الحال‏,‏ وإنما يعلم بالحساب كذا ها هنا ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من المبيع‏,‏ فصح كالأصل المذكور وقد روى عن على ـ رضي الله عنه ـ أنه آجر نفسه كل دلو بتمرة وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتمر‏.‏

فصل‏:‏

ولو قال‏:‏ بعتك من هذه الصبرة قفيزا أو قال‏:‏ عشرة أقفزة وهما يعلمان أنهما أكثر من ذلك صح وحكي عن داود‏,‏ أنه لا يصح لأنه غير مشاهد ولا موصوف ولنا أن المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا باع نصفها‏,‏ وما ذكره قياس وهو لا يحتج بالقياس ثم لا يصح‏,‏ فإنه إذا شاهد الجملة فقد شاهد المبيع لأنه بعضها‏.‏

فصل‏:‏

وإن قال‏:‏ بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لأن ‏"‏ من ‏"‏ للتبعيض‏,‏ و ‏"‏ كل ‏"ے للعدد فيكون ذلك العدد منها مجهولا ويحتمل أن يصح البيع كما يصح في الإجارة‏,‏ كل دلو بتمرة وإن قال‏:‏ بعتك هذه الصبرة الأخرى بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزا أو أنقصك قفيزا لم يصح لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه‏,‏ ولو قال‏:‏ على أن أزيدك قفيزا لم يجز لأن القفيز مجهول ولو قال‏:‏ أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك هذه‏,‏ وقفيزا من هذه الأخرى بعشرة دراهم وإن قال‏:‏ على أن أنقصك قفيزا لم يصح لأن معناه بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا‏,‏ كل قفيز بدرهم وشيء مجهول ولو قال‏:‏ بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة لأخرى لم يصح لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل لأنه يصير قفيزا وشيئا بدرهم‏,‏ والشيء لا يعرفانه لعدم معرفتهما بكمية ما في الصبرة من القفزان ولو قصد إني أحط ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به لم يصح للجهالة التي ذكرناها وإن كانت الصبرة معلوما قدر قفزانها لهما أو قال‏:‏ هذه عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم‏,‏ على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك كل قفير وعشر قفيز بدرهم وإن لم يعلم القفيز أو جعله هبة لم يصح وإن أراد إني لا أحسب عليك بثمن قفيز منها‏,‏ صح أيضا لأنهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن ولو قال‏:‏ على أن أنقصك قفيزا صح لأن معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم وكل قفيز بدرهم وتسع وحكي عن أبي بكر‏,‏ أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لأنه يجيز الشرط الواحد ولا يصح هذا لأن المبيع مجهول فلا يصح بيعه‏,‏ بخلاف الشرط الذي لا يفضي إلى الجهالة‏.‏

فصل‏:‏

ولو باع ما لا تتساوى أجزاؤه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم ففيه نحو من مسائل الصبر وإن قال‏:‏ بعتك هذه الأرض‏,‏ أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع‏,‏ بألف صح إذا كان مشاهدا أو قال‏:‏ بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه‏,‏ بكذا صح أيضا فإن قال‏:‏ بعتكه كل ذراع بدرهم أو كل شاة بدرهم صح وإن لم يعلما قدر ذلك حال العقد لما ذكرنا في الصبرة‏,‏ وإن قال‏:‏ بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لم يصح لأنه مجهول وإن باعه شاة من القطيع لم يصح لأن شياه القطيع غير متساوية القيم فيفضي ذلك إلى التنازع‏,‏ بخلاف القفيز من الصبرة فإنه يصح لأن أجزاءها متساوية وإن باعه ذراعا من الدار أو عشرة أذرع منها‏,‏ يريدان بذلك قدرا غير مشاع لم يصح كذلك وإن أرادا مشاعا منها وهما يعلمان عدد ذرعانها صح وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يصح لأن الذراع عبارة عن بقعة بعينها‏,‏ وموضعه مجهول ولنا أن عشرة من مائة عشرها ولو قال‏:‏ بعتك عشرها صح فكذلك إذا قال‏:‏ بعتك عشرة من مائة وما ذكروه غير مسلم بل هو عبارة عن قدر‏,‏ كما أن المكيال عبارة عن قدر فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزءا منها وإن اتفقا على أنهما أرادا قدرا منها غير مشاع لم يصح البيع وإن كانا لا يعلمان ذرعان الدار‏,‏ لم يصح لأن الجملة غير معلومة وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة وإن قال‏:‏ بعتك من الدار من ها هنا إلى ها هنا جاز لأنه معلوم وإن قال‏:‏ عشرة أذرع ابتداؤها من ها هنا إلى ها هنا إلى حيث ينتهي الذراع لم يصح لأن الذرع يختلف‏,‏ والموضع الذي ينتهي إليه لا يعلم حال العقد ولو قال‏:‏ بعتك نصيبي من هذه الدار ولا يعلم قدر نصيبه منها أو قال‏:‏ نصيبا منها أو سهما لم يصح لأنه مجهول وإن علما ذلك صح وإن قال‏:‏ بعتك نصف داري مما يلي دارك لم يصح نص عليه لأنه لا يدري إلى أين ينتهي‏,‏ فيكون مجهولا‏.‏

فصل‏:‏

ولو باعه عبدا من عبدين أو أكثر لم يصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ إذا باعه عبدا من عيدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له صح لأن الحاجة تدعو إليه وإن كانوا أكثر‏,‏ لم يصح لأنه يكثر الغرر ولنا أن ما تختلف أجزاؤه وقيمته لا يجوز شراء بعضه غير معين ولا مشاعا كالأربعة وما لا يصح بغير شرط الخيار‏,‏ لا يصح بشرطه كالأربعة ولا حاجة إلى هذا‏,‏ فإن الاختيار يمكن قبل العقد ثم ما قالوه يبطل بالأربعة‏.‏

فصل‏:‏

وحكم الثوب حكم الأرض إلا أنه إذا قال‏:‏ بعتك من هذا الثوب‏,‏ من هذا الموضع إلى هذا الموضع صح فإن كان مما لا ينقصه القطع قطعاه وإن كان مما ينقصه القطع‏,‏ وشرط البائع أن يقطعه له أو رضي بقطعه هو والمشتري جاز وإن تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه‏,‏ كما يشتركان في الأرض وقال القاضي‏:‏ لا يصح لأنه لا يقدر على التسليم إلا بضرر فأشبه ما لو باعه نصفا معينا من الحيوان ولنا‏,‏ أن التسليم ممكن ولحوق الضرر لا يمنع التسليم إذا رضيه البائع كما لو باعه نصفا من الحيوان مشاعا‏,‏ وفارق نصف الحيوان المعين فإنه لا يمكنه تسليمه مفردا إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية‏.‏

فصل‏:‏

إذا قال‏:‏ بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فبان أحد عشر‏,‏ ففيه روايتان إحداهما البيع باطل لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة‏,‏ ولا المشتري على أخذ البعض وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضا والثانية‏,‏ البيع صحيح والزيادة للبائع لأن ذلك نقص على المشتري فلا يمنع صحة البيع كالعيب‏,‏ ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري لأنه زاده خيرا‏,‏ وإن أبى تسليمه زائدا فللمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة‏,‏ والبائع شريك له بالذراع وهل للبائع خيار الفسخ‏؟‏ على وجهين أحدهما له الفسخ لأن عليه ضررا في المشاركة والثاني لا خيار له لأنه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن فإذا وصل إليه الثمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادة‏,‏ فلا يستحق بها الفسخ ولأن هذا الضرر حصل بتغريره وإخباره بخلاف غيره‏,‏ فلا ينبغي أن يتسلط به على فسخ عقد المشتري فإن بذلها البائع للمشتري بثمن أو طلبها المشتري بثمن لم يلزم الآخر القبول لأنها معاوضة يعتبر فيها التراضي منهما‏,‏ فلا يجبر واحد منهما عليه وإن تراضيا على ذلك جاز فإن بان تسعة‏,‏ ففيه روايتان إحداهما يبطل البيع لما تقدم والثانية البيع صحيح‏,‏ والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثمن وقال أصحاب الشافعي‏:‏ ليس له إمساكه إلا بكل الثمن أو الفسخ بناء على قولهم‏:‏ إن المعيب ليس لمشتريه إلا الفسخ أو إمساكه بكل الثمن ولنا أنه وجد المبيع ناقصا في القدر فكان له إمساكه بقسطه من الثمن‏,‏ كالصبرة إذا اشتراها على أنها مائة فبانت خمسين وسنبين أن المعيب له إمساكه وأخذ أرشه‏,‏ فإن أخذها بقسطها من الثمن فللبائع الخيار بين الرضا بذلك وبين الفسخ لأنه إنما رضي ببيعها بهذا الثمن كله وإذا لم يصل إليه كان له الفسخ فإن بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ لأنه وصل إليه الثمن الذي رضيه‏,‏ فأشبه ما لو اشترى معيبا فرضيه بجميع الثمن‏.‏